
لماذا يعتقد كثيرون أنهم الإمام المهدي؟
_______________________
من خلال متابعتي لهذا الملف وتواصلي من سنين عديدة ، كصاحب ثلاثة مواقع مهتم بزمن بداية النهاية؛مع عشرات الأشخاص، رجالًا ونساءً، ممن يعتقدون أنهم الإمام المهدي أو أن لهم صلة خاصة به، لاحظتُ أن هذه الظاهرة ليست على درجة واحدة؛ فدوافعها وأسبابها تختلف من شخص إلى آخر، ولا يصح وضع الجميع في خانة واحدة.
ويمكن تقسيم أبرز الحالات التي صادفتها إلى أربعة أصناف:
1- أصحاب الرؤى والتأويلات الشخصية
وهم الصنف الأكثر انتشارًا بحسب تجربتي؛ إذ يرى بعضهم رؤى تتعلق بالإمام المهدي، ثم يفسّرها وفق ما يوافق اعتقاده ورغبته، حتى يصل إلى الجزم بأنه المهدي المقصود.
والأمر لا يقتصر على عامة الناس، بل قد يقع فيه بعض المشتغلين بتعبير الرؤى، ممن يربطون رموزها بأنفسهم أو بأشخاص بعينهم، ويتعاملون مع التأويل وكأنه دليل قطعي على الهوية.
وأصل الإشكال هنا هو الانتقال من احتمال التأويل إلى اليقين بالتعيين؛ فالرؤيا، مهما بدت واضحة لصاحبها، لا تكفي وحدها لإثبات أن شخصًا بعينه هو الإمام المهدي.
2- أصحاب الاضطرابات النفسية
ومن الحالات التي صادفتها أشخاص تظهر عليهم مؤشرات اضطرابات نفسية قد تؤثر في تفسيرهم للأحداث والرؤى والتجارب الشخصية، فيعتقد بعضهم أنه صاحب رسالة استثنائية أو أنه شخصية موعودة.
وقد تتعزز هذه القناعة عندما يفسّر الشخص المصادفات والأحلام والأحداث اليومية على أنها إشارات موجهة إليه وحده.
ومع ذلك، ليس كل من يعتقد أنه المهدي مريضًا نفسيًا، ولا يجوز تشخيص الأشخاص اعتمادًا على ادعاءاتهم وحدها؛ فالتشخيص يحتاج إلى تقييم مختص.
3- أصحاب الرسائل والاتصالات الغيبية المزعومة
وهذا من أخطر الأصناف من حيث قوة القناعة وصعوبة مراجعتها؛ إذ يزعم بعضهم أن أرواحًا أو كائنات غيبية تواصلت معه في المنام أو اليقظة، وأخبرته بأنه الإمام المهدي، أو أخبرت امرأة بأنها زوجته المنتظرة.
وقد يستند أصحاب هذه الادعاءات إلى أصوات أو منامات أو تجارب شخصية يعتبرونها رسائل قاطعة لا تحتمل الخطأ.
وتُذكّر هذه الظاهرة بقصة جهيمان العتيبي ومحمد بن عبد الله القحطاني؛ إذ أسهمت رؤى واعتقادات متداولة بين بعض أتباع الجماعة في ترسيخ الاعتقاد بأن القحطاني هو المهدي، وانتهى الأمر بأحداث الحرم المكي سنة 1979م.
وهنا تكمن الخطورة: حين تتحول التجربة الشخصية غير القابلة للتحقق إلى يقين ديني، ثم إلى دعوة يتبعها الآخرون، وربما تُبنى عليها قرارات خطيرة.
4- أصحاب التجارب المتشابهة مع أوصاف المهدي ورؤاه
وهؤلاء أراهم أكثر تعقيدًا من غيرهم؛ فقد يكون بعضهم صادقًا في وصف ما مرّ به، ولا يتعمّد الكذب أو التضليل، لكنه يعتقد أن تشابه تجاربه مع الرؤى المتداولة عن المهدي دليل على أنه المقصود بها.
فقد يمرّ الشخص بابتلاءات شديدة، أو عزلة، أو ظلم، أو تحولات روحية، ثم يجد أن كثيرًا من الرؤى التي يسمعها تنطبق على حياته بصورة لافتة.
وقد يذكر بعض هؤلاء تجارب يعتقد أنها اتصالات بملائكة أو إشارات غيبية خاصة، ويفضّل عدم الإفصاح عنها خشية التكذيب أو السخرية.
لكن الصدق في نقل التجربة لا يعني بالضرورة صحة تفسيرها؛ وتشابه الابتلاءات أو الرؤى أو الشعور بالقرب من الغيب لا يثبت هوية المهدي، ولا يثبت حصول اتصال حقيقي بالملائكة.
ومن المهم أيضًا التمييز بين الشخص الذي يختلق ادعاءً لتحقيق شهرة أو مصلحة، وبين شخص يؤمن فعلًا بما يقوله، ولو كان استنتاجه غير صحيح.
لماذا تتكرر هذه الظاهرة؟
____________________
أرى أن وراء انتشارها عوامل متداخلة؛ منها كثرة الحديث عن علامات آخر الزمان، وتداول الرؤى دون ضوابط كافية، والرغبة في إيجاد معنى للابتلاءات الشخصية، والبحث عن الخلاص في أوقات الحروب والاضطرابات، فضلًا عن تأثير وسائل التواصل الاجتماعي التي تجمع أصحاب التجارب المتشابهة، فيعزز بعضهم قناعة بعض.
وقد تبدأ المسألة برؤيا واحدة، ثم تتبعها رؤى أخرى وتأويلات ومصادفات، حتى تتكوّن لدى الشخص منظومة متكاملة يفسّر من خلالها كل ما يحدث حوله.
الخلاصة
____________
ليس كل من ظنّ أنه المهدي كاذبًا، وليس كل من صدق في اعتقاده مصيبًا، وليس كل من رأى رؤيا تتعلق بالمهدي هو المقصود بها.
فالفرق كبير بين صدق الإنسان في رواية تجربته، وصحة تفسيره لها، وصحة النتيجة التي يبنيها عليها.
وأخطر ما في هذه الظاهرة أن يتحول الظن إلى يقين، والتأويل إلى تعيين، والتجربة الشخصية إلى دعوى دينية يُطالب الآخرون بتصديقها.
ولهذا ينبغي التعامل مع هذه الحالات بعلم وإنصاف وتثبّت، دون سخرية من أصحابها، ودون التسليم بادعاءاتهم لمجرد غرابة تجاربهم أو كثرة الرؤى التي يستشهدون بها..
والله هو الحكيــــــــــــــــم
العليـــــــــــــــــم
حامل سر المهدي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق