
«وَاللَّهِ، إِنَّ رُؤَى الطُّوفَــــــانِ تَتَكَرَّرُ مُنْذُ سَنَــــــوَاتٍ عَدِيدَةٍ
لاو بشــــــدة غريبة !»
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
«فَهَلْ يُنْذِرُ تَكَاثُرُهَا بِطُوفَانٍ عَظِيمٍ يُذَكِّرُ بِطُوفَانِ سَيِّدِنَا نُــــــــوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ؟».
الرؤيـــــــــــــــــــــــــــــــا
رأيتُ رؤيا قبل نحو عام ونصف،
رأيتُ فيها طوفانًا عظيمًا من ماء البحر
يجتاح الكرة الأرضية بأكملها، وكانت امواجه تصل إلى السماء.
وكان المشهد مدهشًا ومفزعًا، وكنت انا الناس نبكي بصراخ ويركضون هربًا،
بينما كان الماء يندفع نحوهم بسرعة البرق.
ثم غمرنا الماء جميعًا، وأصبحتُ أمشي تحت ماء البحر.
انتهت الرؤيا.
والله شاهدٌ على ما أقول.
ــــــــــ تعبير الاخ ـــــــــــ
حامل سر المهدي
________
تعبير رؤيا الطوفان العظيم على ضوء القرآن الكريم
هذه الرؤيا، بلا شك ولا ريب، تُذكّرنا بآيات طوفان نوح عليه السلام، وما حملته من إنذارٍ لأمةٍ تمادت في الكفر والعصيان، وأصرّت على الباطل، وأعرضت عن دعوة نبيّها، حتى جاءها أمر الله فأغرقها الطوفان. وقد تحمل الرؤيا إنذارًا شديدًا للبشرية من عواقب انتشار الظلم والفواحش والكبائر، والإصرار على المحرمات والمجاهرة بها، مع الغفلة عن التوبة والرجوع إلى الله.
أولًا: دعوة نوح لقومه وإعراضهم عن الإنذار
لقد دعا نوح عليه السلام قومه ليلًا ونهارًا، وسرًّا وجهارًا، وحذّرهم من عاقبة الكفر والعصيان، لكنهم قابلوا دعوته بالإعراض والاستكبار، حتى جعلوا أصابعهم في آذانهم كي لا يسمعوا الحق.
قال الله تعالى:
﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾
[نوح: 5–10].
وهنا تكمن العبرة العظيمة؛ فلم يكن الأمر مجرد وقوع الناس في الذنوب، بل الإصرار على المعاصي، ورفض النصيحة، والاستكبار عن الحق، وإغلاق الآذان عن كل إنذار يدعو إلى التوبة والإصلاح.
ثانيًا: الطوفان الذي اجتاح الأرض وبلغت أمواجه السماء
قال تعالى:
﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر: 11–12].
وقال سبحانه:
﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ﴾ [هود: 42].
فاجتياح الطوفان الكرة الأرضية، وارتفاع أمواجه حتى السماء، قد يشيران إلى فتن عظيمة وأحداث مهولة تتسع آثارها لتشمل الأمم والشعوب، فلا تقف عند حدود دولة أو قارة.
كما أن ضخامة الأمواج واستحالة تقدير ارتفاعها توحيان بهول الشدائد وعجز البشر عن مواجهتها بقدراتهم المعتادة.
ثالثًا: صراخ الناس وفرارهم من الطوفان
قال الله تعالى:
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ [هود: 25–26].
وقال سبحانه:
﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا﴾ [نوح: 25].
فبكاء الناس وصراخهم وهروبهم قد يشير إلى هول العواقب حين تتفاقم الفتن، ويجد الإنسان نفسه أمام شدائد لم يكن يتوقعها.
وتحمل الرؤيا في هذا الوجه من التعبير تحذيرًا من استفحال الظلم وسفك الدماء وأكل الحقوق وانتشار الفواحش والمجاهرة بالكبائر، ولا سيما حين يصبح المنكر مألوفًا، ويُستهان بالتحذير من عواقبه.
وقد قال الله تعالى في شأن قوم لوط:
﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: 80].
وفي ذلك تذكير بخطورة الفواحش التي تتجاوز حدود الله، وبأن انتشار المنكر لا يجعله حقًّا، ولا يُسقط مسؤولية الإنسان عن أفعاله.
رابعًا: اندفاع الماء بسرعة البرق
قال تعالى:
﴿أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [يوسف: 107].
فسرعة اندفاع الطوفان نحو الناس قد تدل على مباغتة الفتن والأحداث الكبرى، وأن ما يظنه الناس بعيدًا قد يأتي سريعًا، فلا يجد الغافلون فرصة للاستعداد.
وهذا يعزّز المعنى التحذيري للرؤيا، ويدعو إلى المبادرة بالتوبة والإصلاح قبل حلول الشدائد.
خامسًا: غمر الماء للرائية ومشيها تحته
وهذا من أبرز مشاهد الرؤيا؛ فقد غمر الطوفان الرائية والناس جميعًا، لكنها لم ترَ نفسها تموت أو تغرق، بل واصلت المشي تحت ماء البحر.
قال تعالى:
﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ﴾ [الشعراء: 119–120].
وقال سبحانه:
﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنبياء: 76].
وقد يشير استمرار الرائية في المشي تحت الماء إلى المرور بفتن وابتلاءات شديدة مع الثبات والصمود، والرجاء في النجاة برحمة الله؛ فالماء أحاط بها من كل جانب، لكنه لم يمنعها من مواصلة السير.
الرسالة الجامعة للرؤيا
«رؤيا عظيمة تُذكّر بطوفان نوح عليه السلام، وتحمل إنذارًا للبشرية من عواقب استفحال الظلم والفواحش والكبائر والمجاهرة بالمحرمات، والإصرار على الباطل وإغلاق الآذان عن المواعظ، كما فعل قوم نوح حين دعاهم نبيّهم ليلًا ونهارًا، فأعرضوا واستكبروا حتى أدركهم الطوفان. وقد تشير سرعة المياه وامتدادها إلى الأرض كلها إلى فتن وأحداث كبرى مباغتة تعمّ آثارها الشعوب، بينما يحمل استمرار الرائية في المشي تحت الماء معنى الثبات والرجاء في النجاة وسط الشدائد».
ومع شدة الإنذار، يبقى باب الرحمة والتوبة مفتوحًا، فقد قال نوح عليه السلام لقومه:
﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: 10–12].
فالعبرة أن يُبادر الناس إلى التوبة، وترك الظلم والفواحش، وردّ الحقوق إلى أهلها، قبل أن تدركهم الشدائد وهم غافلون.
ويبقى هذا وجهًا محتملًا لتعبير الرؤيا، لا دليلًا على أن طوفانًا عالميًّا سيقع أو أن عذابًا إلهيًّا مخصوصًا قد تقرّر وقوعه.
والله هو الحكيــــــــــــــــم
العليـــــــــــــــــم










