رسالة الشيخ الولي الصالح من الكنانـــــــة إلى الإمام المهدي عليه السلام
5 - 1 - 1448
---
1 ـ ماء لم يُتذوَّق منذ الميلاد
---
أيها الأحباب، أنتم تعرفون الماء وتشربونه وتدركون طعمه.
ولو شرب الإنسان الماء في ظلام، لعرف أنه ماء من مذاقه وأثره.
لكن هناك شرابًا يشبه الماء، لم تتذوقوه منذ الميلاد.
هو كالعسل في أثره ولذته، مع أن الماء لا يتغير في ذاته.
إنما الذي يتغير هو حال الإنسان حين تتبدل الأحوال.
وسيرى المؤمن حالًا جديدًا، حتى كأن الماء ماء جديد.
وسيتنفس هواءً كأنه لم يتنفسه من قبل.
وسيرى طعامًا وصحبةً كأنها وُلدت من جديد.
وسيعيش صحبةً لا مرارة فيها، ولا عيونًا تراقب الأحوال والخطوات.
---
تفسيره
هذا المقال يشير إلى تغير روحي ومعيشي كبير.
فالماء هنا رمز للحياة والراحة والسكينة.
وكونه كالعسل يدل على أن النعمة ستعود بطعم مختلف بعد طول ضيق.
وتغير الهواء والطعام والصحبة يدل على انتقال الناس من زمن المراقبة والحسد والضيق إلى زمن صفاء وطمأنينة.
والمعنى أن الفرج القادم لا يغيّر الأشياء فقط، بل يغيّر إحساس الإنسان بها.
---
2 ـ زمن الظل الممتد القصير
---
اعلموا أيها الأحباب أن هذا هو زمن الظل الممتد القصير.
إنه وقت يتجرأ فيه الأشرار على الأسباب والذات.
ويظنون واهمين أن الدار دارهم، وأن البقاء لهم فيها.
ويظنون أن بقية الخلق أتباع وغرباء، لا حق لهم ولا نسب ولا مكان.
ويجعلون أنفسهم أهل القصور والسلطان، ويجعلون غيرهم أهل الخضوع والانتظار.
وقد بلغوا مرحلة الغرور الأخيرة، حين ظنوا أنهم يملكون الأرض ومن عليها.
---
تفسيره
زمن الظل الممتد القصير يدل على مرحلة شر عظيمة، لكنها قصيرة الأجل.
فالظل وإن امتد، لا يبقى إذا جاء النور.
وتجرؤ الأشرار يدل على بلوغهم حدّ الطغيان.
وظنهم أن الدار دارهم يشير إلى غرور السلطة والهيمنة.
والمقال يقرر أن هذا الغرور ليس قوة حقيقية، بل علامة قرب النهاية.
---
3 ـ حكموا على أنفسهم بالهلاك
---
لقد حكموا على أنفسهم بالهلاك حين قالوا في بيانهم إنه لا حق للناس إلا ما يرسلونه هم من فضل العطاء.
وتعدّوا على الذات، وادعوا لأنفسهم ما ليس لهم.
وظنوا أن كل خطوة لا تتم إلا بوجودهم.
لكن الله يعلم ما يصنعون، ويجعل أفعالهم أسبابًا لسقوطهم.
فإذا بلغوا الخطوة الأخيرة التي كُتبت عليهم، جاءهم أمر الله.
وحين يأتي الأمر، لا يكون لهم رجوع ولا رحمة.
ولا يبقى لهم إلا التشتيت والضياع.
---
تفسيره
هذا المقال يبين أن الطغيان حين يبلغ نهايته يتحول إلى سبب هلاك أصحابه.
وقولهم إن العطاء بأيديهم يدل على ادعاء الربوبية في التدبير والتحكم.
وتعديهم على الذات معناه تجاوز حدود العبودية.
والخطوة الأخيرة ترمز إلى لحظة حاسمة يقع بعدها الحكم الإلهي.
والتشتيت يدل على سقوط وحدتهم وتفرق قوتهم.
---
4 ـ الأمر العظيم بعد التشتيت
---
إذا بلغوا مرحلة العلو والغرور، تركهم الله وقتًا قصيرًا في شتات.
يظهرون في الساحة كأنهم موجودون، لكنهم في الحقيقة متفرقون.
ثم يأتي الأمر العظيم من عند الله.
فيعودون إلى حال التشتيت والضياع.
ومن بقي منهم لا يجتمعون على قوة كما كانوا.
بل يعيشون غرباء، بعد أن ظنوا أنهم أصحاب الأرض والقرار.
---
تفسيره
هذا المقال يشرح مرحلة ما قبل السقوط النهائي.
فالوجود الظاهر لا يعني الثبات الحقيقي.
وقد يظهر أهل الباطل أقوياء وهم في الداخل مشتتون.
والأمر العظيم يرمز إلى ضربة قدرية أو تحول كبير يبدد سلطانهم.
والغربة هنا عقوبة معنوية بعد غرورهم بالملك والهيمنة.
---
5 ـ اقتراب المكتوب وجمع ما تفرق
---
يقترب المكتوب ليجمع ما تفرق منا.
ويعبر العصور بينما الأشرار غارقون في غيهم.
ويظن أتباعهم أنهم مالكون للأفعال، وأنهم حددوا المسار.
لكنهم لا يعلمون أنهم سيُهزمون.
فإذا حددوا المسار على فسادهم، فاعلموا أن ذلك هو الفساد الأكبر.
وحين تصيب عقولهم نشوة الغرور، يقولون نحن الملاك ونحن الخالدون.
ويقولون لنا الملك من الأزل والقديم، ونحن الأصل، ونحن نحيي ونميت.
فعندها يرسل عليهم الرحيم التغيير.
---
تفسيره
المكتوب يدل على القدر الذي اقترب أوانه.
وجمع ما تفرق يرمز إلى إعادة ترتيب أهل الحق بعد الشتات.
وادعاء الأشرار أنهم يحددون المسار يدل على غرورهم بالتخطيط والسيطرة.
والفساد الأكبر هو بلوغهم مرحلة ادعاء التحكم في حياة الناس ومصائرهم.
والتغيير المرسل من الله يدل على انقلاب حالهم حين يبلغون قمة الطغيان.
---
6 ـ انتظار المبعوثين
---
عند بلوغ الفساد الأكبر، انتظروا المبعوثين.
ولا تستعجلوا الأمر قبل وقته.
فهم الآن بين الناس، ينتظرون الأمر.
وقد ظن الأشرار أنهم أسياد الأرض، وأن لديهم من يبعث الهلاك.
لكن الله يمهل ولا يهمل.
وله في الإمهال أسباب وحكم لا يعلمها الإنسان.
---
تفسيره
المبعوثون هنا يرمزون إلى رجال أو أسباب يهيئها الله عند وقت التحول.
ووجودهم بين الناس يدل على أن الأسباب موجودة، لكنها لم تُؤمر بعد.
والنهي عن الاستعجال يؤكد أن الأمر مرتبط بإذن الله لا برغبة الناس.
وإمهال الله للأشرار لا يعني رضا الله عنهم، بل هو استدراج وحكمة.
---
7 ـ رسالة إلى صاحب العصر الجديد
---
أيها الحبيب، يا صاحب العصر الجديد، بدأ الهلال يتجهز للخروج.
واعلم أن قلبك وحالك مرتبطان بما خُبئ لك في الزمن.
فلابد أن تمر بكل ما قدره الله لك، صعبًا كان أو سهلًا.
وما تراه في منامك يزيدك علمًا وسعة.
وما يلوح لك في الرؤى يكون إشارات تعينك.
لكن العلم الحق هو ما يثبّت يديك وقدميك في طريق السعي والفلاح.
---
تفسيره
صاحب العصر الجديد إشارة إلى رجل مرحلة جديدة.
والهلال رمز بداية وظهور بعد خفاء.
وارتباط القلب بما خُبئ في الزمن يدل على أن ما يمر به ليس عشوائيًا.
والرؤى هنا إشارات مساعدة لا تغني عن العلم والعمل.
والسعي والفلاح يدلان على الانتقال من المعرفة إلى الحركة المأذونة.
---
8 ـ الاستعداد للميعاد
---
أيها الحبيب، ألم يخبرك المرسال أن تستعد للميعاد.
فرحمة الرحيم منعت عنك وعن الأحباب شرًا مستطيلًا لا يطاق.
وما كان القوم يريدون فعله رده الله عليهم.
فما قصدوه من الهلاك لم يكن مكتوبًا أن يتم على مرادهم.
ولن يبلغوا ما أرادوا، لأن الأمر كله بيد الله.
---
تفسيره
الميعاد يدل على وقت محدد في القدر.
والشر المستطيل هو أذى طويل شديد ممتد.
ومنعه عن الحبيب والأحباب يدل على حماية ربانية قبل وقوع الكارثة.
ورد الهلاك على أصحابه يرمز إلى انقلاب المكر على الماكرين.
والمعنى أن المؤامرة لا تتم إذا لم يأذن الله.
---
9 ـ الحصار والمكر الخفي
---
اعلموا أيها الأحباب أن هناك حقدًا من الشر يجتمع مرات.
ومنهم أصحاب ألسنة عربية فصيحة، ومنهم متحدثون غرباء.
يجتمعون على الإمام وعلى الأحباب.
ويمكرون في الخفاء.
ويضمرون حربًا خفية، غرضها تعطيل الخروج ومنع تمام الأمر.
ولا يهدأ لهم بال حتى يهدأ الهواء، ولا يسكن حقدهم على من علموا بقرب خروجه.
---
تفسيره
هذا المقال يشير إلى اجتماع قوى مختلفة على تعطيل الأمر.
واللسان العربي الفصيح يدل على أن بعض أدوات الفتنة قد تكون من الداخل لا من الخارج فقط.
والمتحدثون الغرباء يرمزون إلى جهات خارجية.
والحرب الخفية تعني مكرًا وتخطيطًا لا يظهر كله للناس.
وقولهم لا يهدأ لهم بال يدل على خوفهم الشديد من اكتمال الأمر.
---
10 ـ تقييد الأيدي عند خروج الإمام
---
عندما يأتي الأمر ويخطو الإمام خطوته، يقيّد الله أيدي أهل الخلاف.
ويمنعهم من تنفيذ ما كانوا يضمرونه.
ويكون شرهم في الصدام الأول.
ثم يسير الحبيب في بلاء المرض والزيارة، ولا يجد فيها شفاء.
وتكون لدى أهل الشر قرارات تنهي المريض أو تعيده، بحسب ما يريدون.
لكن الله هو صاحب الحكم، وما يظهر بعد قليل يكون بأمر رب العباد.
---
تفسيره
تقييد الأيدي يدل على تعطيل قدرة الأعداء عند لحظة حاسمة.
والصدام الأول يرمز إلى أول مواجهة أو أول احتكاك بعد الحركة.
والمرض هنا قد يكون بلاءً حسيًا أو مرحلة ضعف تستعملها قوى الشر.
والتحكم في المرض يدل على محاولة السيطرة على الناس بالدواء والوباء والقرار.
لكن ختام المقال يؤكد أن ما يقع لا يخرج عن أمر الله.
---
11 ـ وباء قريب وفتنة علاج
---
قد يظهر وباء قريب يراه الناس أمام أعينهم.
ولا يكون أمره قصيرًا ينتهي في يوم وليلة.
بل تزيد أيامه وتظهر آثاره.
وقد يصيب الناس على نطاق واسع.
ويكون فيه اختبار للقلوب والأعمال.
ولا ينجو منه إلا من حفظه الله، ومن سبق إلى الخيرات، ومن رجع إلى التقوى.
---
تفسيره
الوباء هنا رمز لفتنة عامة تمس الأبدان والقلوب.
وامتداده يدل على أنه ليس حادثًا عابرًا.
والنجاة بالخيرات والتقوى تعني أن الوقاية ليست مادية فقط.
فالمرض في الرؤى والرسائل قد يرمز إلى اختبار شامل يكشف أحوال الناس.
والخلاصة أن الرجوع إلى الله هو أصل الحماية.
---
12 ـ سند الإمام والغطاء
---
اعلموا أن سند الإمام عليه غطاء.
فلا دليل معروفًا يكشفه للناس.
ولا علامة ظاهرة يستطيع بها كل أحد أن يقطع بحقيقته.
وهو مشكاة بيته، وسند في المكان.
وقد جعله الله سترًا وحجابًا، فلا يعرف أمره إلا بإذن.
---
تفسيره
السند هنا يرمز إلى جهة قريبة من الإمام أو معينة له.
والغطاء يدل على الستر والحفظ.
وعدم وجود دليل معروف يعني أن أمر هذا السند لا يُعرف بالظاهر أو الادعاء.
والمشكاة ترمز إلى النور داخل البيت.
والمعنى أن للسند دورًا خفيًا في الحفظ والتمهيد.
---
13 ـ البرزخ والانتقال بين العالمين
---
للسند حال عجيب، وله وجود كالحاجز الأول والانتقال.
كأنه بين عالمين.
يتعلق بأمر يشبه البرزخ بين الدنيا والرجوع.
أو كأنه بين اليقظة والمنام.
وقد وُهب من الرحيم هبة قوية لا يعلم حقيقتها إلا الله.
---
تفسيره
البرزخ يرمز إلى الفاصل بين عالمين.
والانتقال يدل على قدرة أو حال روحي خاص.
وكونه بين اليقظة والمنام يدل على اتصال بالرؤى أو الإلهام أو عالم خفي.
والهبة من الرحيم تعني أن هذا الحال ليس مكتسبًا فقط، بل عطاء رباني.
والمعنى أن السند له وظيفة روحية دقيقة لا يفهمها كل أحد.
---
14 ـ الجدار الذي تلتقي عنده السهام
---
السند جدار تلتقي عنده السهام.
كلما ارتفع ذكره في السحاب، ثقل عليه الغطاء.
ويتحمل في جسده وحاله ما لا تطيقه الجبال من الأثقال.
وتجتمع عليه آثار المكر الخفي، ونظائر الأصوات، وثقل البلاء.
ويصبر تحت وطأة البلاء ليكون طاهرًا، ورحمةً يدوم أثرها.
---
تفسيره
الجدار يدل على الحماية والتحمل.
والسهام ترمز إلى الحسد والكيد والأذى الخفي.
وارتفاع الذكر في السحاب يدل على رفعة أو شهرة في العالم العلوي أو الرمزي.
وثقل الغطاء معناه زيادة البلاء كلما زاد القرب من الأمر.
والطهارة بعد البلاء تدل على أن الابتلاء يهيئ السند لوظيفته.
---
15 ـ مفتاح أول الأقفال
---
السند مفتاح لفك أولى الأقفال.
وبفك هذه الأقفال يحل العطاء العظيم.
وهذا لا يكون بالقوة ولا بالعجلة.
بل يكون حين يأذن الله، وحين يتم ما قُدّر في وقته.
فالأقفال الأولى لا يفتحها إلا المفتاح الذي جعله الله سببًا لها.
---
تفسيره
الأقفال ترمز إلى أبواب مغلقة في طريق الأمر.
والمفتاح يدل على سبب مخصوص لا يقوم مقامه غيره.
وكون السند مفتاحًا لأول الأقفال يعني أن له دورًا في بداية الفتح.
والعطاء العظيم هو ما يأتي بعد رفع الموانع.
والمعنى أن بعض الفتح مرتبط بأهل مخصوصين ووقت مخصوص.
---
16 ـ التقوى علاج كل داء
---
علاج الوضع هو تقوى الله والرجوع إليه.
وصانع المعروف لا يضيع عند الله.
والفاتحة الواحدة قد تغير حياة أناس كثيرين إذا حضرت معها قوة اليقين.
فالأمر ليس بكثرة القراءة وحدها، بل بحضور القلب وصدق التوجه.
والتقوى علاج لكل مرض وداء في الوجود.
---
تفسيره
هذا المقال يختم الرسالة بالعمل لا بالرمز.
فالتقوى هي الأصل الجامع لكل نجاة.
وصناعة المعروف سبب للحفظ والرحمة.
وقراءة الفاتحة رمز للشفاء واليقين.
لكن النص يركز على أن السر في حضور القلب لا في اللفظ وحده.
والخلاصة أن النجاة تكون بالرجوع إلى الله ظاهرًا وباطنًا.
الخلاصة:
الرسالة تقول إننا في زمن تحوّل كبير، بلغ فيه أهل الشر والفساد مرحلة الغرور الأخيرة، حتى ظنوا أنهم يملكون الأرض ويتحكمون في مصائر الناس، لكن هذا الغرور نفسه سيكون سبب هلاكهم وتشتتهم.
وتشير إلى أن الأمر المكتوب اقترب، وأن هناك تغييرًا ربانيًا قادمًا يجمع ما تفرّق من أهل الحق، بينما يبقى أهل الباطل في اضطراب وتشتيت رغم ظهورهم بمظهر القوة.
وفيها رسالة خاصة إلى صاحب العصر الجديد بأن قلبه وحاله مرتبطان بما خُبئ له في القدر، وأن ما يراه في منامه وما يمر به من ضيق ليس عبثًا، بل إعداد وتمهيد للطريق.
وتؤكد الرسالة أن هناك حصارًا ومكرًا خفيًا حول الإمام والأحباب، تشارك فيه جهات مختلفة، عربية وغريبة، تريد تعطيل الخروج ومنع تمام الأمر، لكن الله إذا أذن قيّد الأيدي وأبطل المكر.
كما تذكر احتمال وباء أو فتنة علاج قريبة تكون اختبارًا عامًا، ولا تكون النجاة فيها بالمادة وحدها، بل بالتقوى، والخيرات، والرجوع إلى الله.
أما سند الإمام فله دور خفي ومستور، عليه غطاء، ولا يُعرف بدليل ظاهر، لكنه مشكاة البيت وسند المكان، وله بلاء عظيم، ويتحمل سهامًا وأثقالًا، وهو مفتاح لفك أولى الأقفال حتى يحل العطاء العظيم.
الزبدة النهائية:
المرحلة القادمة مرحلة كشف وتحول، فيها سقوط غرور أهل الباطل، واقتراب أمر الإمام، واشتداد المكر حوله، لكن الفرج محفوظ بإذن الله، ومفتاح النجاة هو التقوى، والصبر، وعدم استعجال القدر، وانتظار فتح الله في وقته.